التخطي إلى المحتوى الرئيسي

سحر التأثير التراكمي

سحر التأثير التراكمي

مقالي في جريدة رأي اليوم 


يُعرَّف التأثير التراكمي أو التأثير المركب على أنه : الظاهرة التي تساهم بها الأفعال الصغيرة المتكررة بانتظام على مسار حياتنا على المدى الطويل ؛ فكلما تكررت هذه الإجراءات كلما تراكمت آثارها أضعافًا مضاعفة ، وهو ما يسمى أيضًا بتأثير كرة الثلج .

 يقدم الكاتب دارين هاردي في كتابه الشهير التأثير التراكمي The Compound Effect ) ( مثالاً أو مقارنة بين ثلاثة رجال ( لاري وبراد وسكوت ) وهم أصدقاء طفولة وفي نفس العمر ويعيشون في نفس الحي ومتزوجون ويتمتعون بصحة جيدة ولديهم دخل مريح ، لاري يحب عاداته ويفعل الاشياء نفسها يومياً ، سكوت قرر أن يحارب روتينه وأن يحد من زيادة وزنه ؛ فبدأ بإزالة الوحدات الحرارية من نظامه الغذائي ، وبممارسة الرياضة ثلاث مرات أسبوعياً ، وقرر الاستماع إلى بودكاست مدته نصف ساعة صباحاً خلال طريقه إلى العمل ، وأن يقرأ أيضًا عشرة صفحات من كتاب قبل النوم ، أما براد فهو مولع بالأجهزة وكانت أخر مقتنياته تلفازاً كبيراً اشتراه وقام بتركيبه في غرفة المعيشة كونه اعتاد الجلوس على أريكته لمشاهدة قناته الرياضية المفضلة .

مرت بضعة أشهر ولم يتغير شيء : الأصدقاء الثلاثة حافظوا على النسق : وزنهم لم يتغير جذرياً ، ومستواهم الاقتصادي ذاته ، وبعد عام ونصف صار بالإمكان ملاحظة بعض التغييرات ؛ سكوت غدا أكثر إيجابية ورياضي الجسد ، وأما براد فقد ازداد وزنه وحصل على قرض جديد لشراء سيارة أحدث ، ولاري لم يتغير ويواصل الحديث عن الأشياء ذاتها : الوظيفة والمشاريع التي يريد إنجازها والرحلات التي يحلم بالقيام بها مستقبلاً .

بعد ثلاث سنوات تعمقت الفجوة بين الأصدقاء الثلاثة ؛ يشعر سكوت بمزيد من الرضا وأصبح أكثر لياقةً ، وقرر رئيسه في العمل منحه ترقية ، بينما براد أخذ يشعر بالتعاسة ، وبدأ يمر بوقت عصيب فلقد ترهل جسده وما زال يتقاضى نفس الراتب لكن ديونه تتضخم بسبب القروض الاستهلاكية المتعددة وبقي لاري على حاله يتابع روتينه اليومي ويتحدث طوال الوقت عن الأشياء التي يرغب القيام بها ولكنه لا يفعلها.

والسؤال الآن هو من أنت ؟ هل انت سكوت أم براد أم لاري؟ هل تستخدم الأثر التراكمي  لصالحك أم أنه يعمل ضدك؟

الآثار غير المتوقعة للتأثير التراكمي :

يُروى أن الملك الهندي شرهام قرر مكافأة وزيره سيسا لقاء إبداعه رقعة الشطرنج ، وترك له حرية اختيار مكافأة  فطلب الوزير الذكي حبة أرز واحدة (فقط) توضع في المربع الأول ثم تُضاعف في المربعات التالية حتى تنتهي مربعات الشطرنج الأربعة والستين ، ورغم أن الملك سخر من طلبه لكنه أمر له بما يريد حتى اتضح في النهاية أن أرز الهند كله لن يكفيه ، وعليه فقد وقع الملك الهندي ضحية سحر الأثر التراكمي وعدم ادراك قوة التكرار التراكمي ؛ قد تبدو الأشياء الصغيرة غير مهمة للوهلة الأولى ، ولكن مع مرور الوقت تحدث الكوارث مثل اهمال معالجة تأكل المعادن ، أو عدم معالجة تراجع القطاعات الانتاجية والاعتماد على القروض ، أو الاستخفاف بالاحتباس الحراري والارتفاع الطفيف على درجة حرارة الكوكب الناجم عنه ، وفي المقلب الأخر سمح لنا الانتظام والتكرار بإنجاز أشياء كان لا يمكن تصديق حدوثها  .

كيف نستفيد من الأثر التراكمي؟

 يجب أن يكون الهدف محدداً ، وقابلاً للقياس ، وواقعياً ، ومبرمجا زمنياً ، ويُحدث فارقاً ايجابياً ؛ لذلك يجب احترام القواعد التالية :

·        امتلاك الموارد اللازمة ( التمويل ، والموارد البشرية والبيئية المناسبة ) .

·        تطوّير خطط العمل وآليات تنفيذها ( تشمل تغير عادات مجتمعية وأنماط سلوكية ) .

·        تحديد المسؤوليات وضوابط المحاسبة بعيداً عن تسخير الرأي العام والإعلام أو استغلالها .

·        توثيق مناهج وخطط العمل ومراحل التنفيذ .

·        عدم التسرع في حصد النتائج والنجاحات .

·         القياس والتقييم المحايد .

·        المراجعة والتصحيح ومعالجة الانحراف عن الهدف الاصلي .

·        الالتزام بالجدول الزمني وقيمة التمويل .

حياتنا هي سلسلة من الاختيارات ؛ ففي كل مرحلة علينا أن نتخذ قرارات يمكن أن تكون هذه القرارات كبيرة مثل الهجرة ، والزواج ، وتغيير المهن ، وإنجاب الأطفال ... ولكن يمكن أيضًا أن تكون أصغر مثل تحديد الوجبة التي نتناولها أو الاختيار بين مشاهدة مسلسل أو قراءة كتاب وعادةً ما تُعطى القرارات الكبيرة أهمية لكن القرارات اليومية الصغيرة يجب أن لا تقل أهمية حتى لو لم تكن كذلك في الوقت الحالي : إن تفضيل منتج محلي  على منتج مستورد أو مقاطعة منتج دولة ما قد لا يحدث أي فرق تقريبًا ولكن حين يتخذ سكان حي كامل أو مدينة نفس قرارك يكون الفرق جلياً ، وعدم شراء المنتج المبالغ في سعره قد لا يحدث فرقاً في مخيلتك لكنه حتماً سيكون كذلك لو امتلكت القناعة بوجود الكثيرين ممن يحملون نفس أفكارك ، إن هذه الخيارات الصغيرة المتراكمة مع مرور الوقت لديها القدرة على إحداث تغيرات هائلة مستقبلاً .

طوّر عادات جيدة

يقول  أرسطو : "نحن ما نقوم به مراراً وتكراراً " ؛ كلنا لدينا عادات وطقوس يومية بعضها مفيد ، والبعض الآخر ليس كذلك ، ومعظمها تلقائي وغير مخطط ، وللحصول على أقصى استفادة من التأثير التراكمي يجب أن نتوقف عن العمل في وضع الطيار الآلي لبضع دقائق ؛ لإلقاء نظرة فاحصة على عاداتنا لأنه من المحتمل جدًا أن يمنعنا بعضها من المضي قدماً بشكل فعال نحو أهدافنا الشخصية أو المجتمعية ، وهذا يتطلب سرد جميع الأشياء التي نقوم بها بالطريقة المعتادة من ساعة استيقاظنا في الصباح إلى وقت ذهابنا إلى النوم ؛ فمجرد أن نعرف عاداتنا يصبح لدينا فكرة جيدة عما تبدو عليه أيامنا حينها يمكننا البدء في تحسينها . للقيام بذلك ، يجب أن نحدد العادات التي يجب إزالتها ، وأيها يجب الاحتفاظ بها وكيفية تغيير بعضها إذا لزم الأمر والهدف من ذلك هو أن يصبح كل يوم أكثر فعالية وفائدة على المدى الطويل .

ابدأ بالفعل

يقول ارنولد غلاسو: "الفكرة دون أن تقترن بفعل لن تكون أبدًا أكبر من الخلية العصبية التي تشغلها في دماغك."  ولتحقيق النتائج ، لا يكفي تحديد أهدافنا ومراجعة عاداتنا فقط ، بل يتعين علينا أيضًا اتخاذ إجراءات لتنفيذ خطتنا ، وبذل مجهود لجني نتائج ملموسة ، وإذا بقينا نركز كل يوم على ما هو مهم وقدمنا ​​أفضل ما فينا ، فإن التأثير التراكمي مضمون إنها مسألة وقت فقط قبل أن تُصبح النتائج حاسمة .

الصبر

للاستفادة من التأثير التراكمي ، يجب على المرء التحلي بالصبر لأنَّ الإجراءات الصغيرة لا تعمل بين عشية وضحاها بل تستغرق وقتاً . اعتمادًا على أهدافنا ، يوضح دارين هاردي ، مؤلف كتاب التأثير التراكمي ، أن الأمر قد يستغرق حوالي عامين لبدء رؤية نتائج حقيقية مع ذلك ، بمجرد ظهور التأثير التراكمي ، تتسارع وتيرة النتائج مثل كرة الثلج ، الصبر جزء أساسي من التأثير التراكمي وسوف نحتاجه للحصول على الإستراتيجية الصحيحة ، وتطوير العادات الصحيحة والعمل الجاد ، وإذا نفذ صبرك فسوف تستسلم عاجلاً أم آجلاً ولن تستفيد أبدًا من التأثير التراكمي .

تغلب على الملل والتسرع  :

غالبًا ما نعتقد أن الطريق إلى النجاح مثير دائماً ، ولكن قد يكون انتظار النتائج محبطاً ، وغالبًا ما يتعين عليك القيام بنفس الأشياء ، بغض النظر عن مدى إعجابنا بما نقوم به ؛ فإن القيام بنفس الأشياء طوال الوقت يصبح مزعجاً على المدى الطويل وهذا طبيعي. فعاجلاً أم آجلاً ، كل شيء روتيني سوف يسبب لنا الملل لذلك من المهم تغيير روتيننا من وقت لآخر ؛ وإدخال عناصر جديدة في روتيننا قادرة على تعزيز نتائجنا وليس العكس .

تأثيرات التصفية :

هناك ثلاثة أنواع رئيسية من التأثيرات : المدخلات والجماعات والبيئة ، تؤثر هذه العناصر الثلاثة على حالتنا الذهنية وأفعالنا وقراراتنا ؛ مما يحتم تعلم تصفيتها للحصول على أقصى فائدة من التأثير التراكمي .

  ماهية هذه التأثيرات :

·        المدخلات : هي كل المعلومات التي يتم تداولها كالأخبار ، والمحتوى على الإنترنت ، والكتب التي نقرأها ، وتؤثر جودة هذه المعلومات التي تصل لأدمغتنا بشكل مباشر على جودة تفكيرنا ؛ لذلك من المهم امتلاك القدرة على فلترتها للاحتفاظ بما هو موثوق وصحيح ومفيد فقط وأن لا نقع تحت تأثير السحر التراكمي الممارس علينا من الآخرين .

·        الجماعات : هي تأثيرات أصدقائنا وعائلتنا وزملائنا ومعارفنا ... يجب أن نختار بشكل استراتيجي الأشخاص من حولنا لأنه كما قال جيم رون : "نحن عبارة عن متوسط ​​الأشخاص الخمسة الذين نقضي معهم معظم الوقت ". لذلك من مصلحتنا قضاء الوقت مع الأشخاص الذين يرفعون مستوى تفكيرنا وتجنب الأشخاص السلبيين والفاشلين .

·        البيئة : تؤثر بيئتنا المادية المباشرة علينا كالمكان الذي نعيش فيه ، وأين وماذا نعمل والجغرافيا التي نعيش فيها تُؤثر على حالتنا الذهنية أيضاً ؛ لذلك يجب أن نتأكد من أن البيئة التي نعيش فيها تساعدنا على المضي قدماً ، فالشخص الذي يسكن في بيت لا تصله الخدمات الأساسية كالماء والكهرباء والمواصلات والإنترنت لا يمكن أن يفكر في الاحتباس الحراري أو أسعار النفط  .

ارتبطت الذهنية الشرقية بأسطورة البطل الخارق الذي يوفر لنا الرفعة والمجد دون مساهمة أو جهد منا ، فيقع على عاتقه وحده تحسين الاقتصاد وتوفير فرص العمل لنا وما علينا سوى الاستسلام والراحة ومراقبة انجازاته أو إنتظار ظهور بطلنا الخارق المنشود في حالات أخرى  .

التطور المجتمعي الحضاري الشامل لا يحدث إلا إن سبقه تطور للفرد بشكل جذري وحاسم في ثقافته وسلوكه واحترامه لحقوق باقي الافراد ، ومن غير الممكن تطور أي أمة مهما امتلكت من موارد وإمكانيات دون امتلاك شعبها الثقافة والضوابط والموازنة بين الحقوق والواجبات ، فأزمة الثقافة والسلوك والعادات هي الفيصل بين الدول الناجحة والدول الفاشلة وليس الموارد وقوة الجيوش والمباني ؛ فالحضارة عمرها أكبر بكثير من عمر أجيال شعوبها والأجيال تتبدل وترث الثقافة والانجازات والسلوك ، وهذا الميراث قد يكون منارة يُهتدي بها ويُثريها ، أو أن يكون سبب شقاء أجيال كثيرة ثم ذوبانها في حضارات أخرى على مبدأ البقاء للأصلح .


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

سي السيد و معركة ميلانو

سي السيد و معركة ميلانو مقالي في موقعي اخبار الاردن واحداث اليوم - الصورة منقولة  عذرا، فقبل البدء وكي لا أُتَّهم بالتحامل ،   أ نا لا أتكلم عن كل الرجال ولكن أقصد شريحة معينة إ سترعت إ هتمامي و إ ستفزت قيم الشرقي   فكان لا بد لي من ال إ شارة إليها من باب الحرص لا النقد. لاشك بأنَّ الثقافة المجتمعية والمعيشية تتغير مع متطلبات العصر، لكن لكل أُمَّة عادات ومبادئ يجب أ ن لا تُهدم بمعول الحداثة ولا تُداس بحذاء من يدًّعي محاربة التخلف.   أ ثناء معركة الفجر بين النور و أ خر بُقع الظلام في شارع (كورسو بينس آ يرس) في مدينة (ميلانو) ، ر أ يت إمرأة إ فرنجية في العقد الرابع من عمرها   تخوض معركة طاحنة غير معركة النور والظلام بل معركة لقمة العيش   كموظفه فها هي بدأت عملها بمعالجة   إ نسداد (منهل) للصرف الصحي ، ولا أ علم لماذا تذكرت وأنا أنظر بدهشة إ ليها   رائعة الكاتب المبدع   نجيب محفوظ   بين القصرين .   و أ عتقد جازما أن أغلب الرجال الذين شاهدوا أ و تصفحوا رواية نجيب محفوظ الشهيرة   ، أُعجبوا بشخصية سي السيد و أ...