
كانت عَمّان رفيقة طفولتنا وكبرنا ، وكثيراً كبرت هي ، وأضحت أقدامنا تعجز عن تحدي إتساع أسواقها وأحيائها الوليدة ، وربما تقدم بنا العمر هذا العدو الذي ينخر بخبث أجسادنا ، ويُضعف قدرتنا على السير .
كم تغيرت عمان وكم تبدلت معالمها القديمة ، وربما صنعنا في
مخيلتنا مقياساً وقارناها ظلماً بمدن الغربة التي أكلت أعمارنا كما تأكل النار الهشيم
، ويتألم المرء كثيراً حين يغدو شاهداً على تغير المكان الذي ينتمي اليه ، ويحمل
له في مخيلته جميل الذكريات وأطهرها حتى لو كان هذا التبدل للأفضل والأجمل .
كم يظلم الإنسان أخاه الإنسان ويتجبر ، وتضيع حقوق الكثيرين
منّا وتُؤكل بالباطل ، ولكن عمان ظُلمت دوماً ، وباتت حزينة ، حالها كحال بقية مدن
العالم ، وبقيت أنانيتنا ترفض إلا أن تراها الأم التي نَعقّها ونعود لحضنها دائماً
؛ فتستقبلنا ضاحكةً مبتسمةً وغافرةً ، وقلوبنا الآن تنفطر وعيوننا تبكي حين نرى
شوارعها خاوية وأسواقها مغلقة عطفاً وخوفاً علينا .
لم تعد مخيلتنا تتسع لأحلام اليقظة التي رافقت طفولتنا ونحن
نجول شوارعها ونخطط لمستقبلنا ؛ فنختار فيها مكاناً للأوبرا تارة ، ومكتبة تُوزع
فيها الكتب والصحف بالمجان تارة أخرى ، ونقرر أجمل الألوان لمبانيها ولون بلاط أرصفتها
، ومع تساقط المطر كنا نقترب من الواقع ؛ فنفكر في تصميم شبكة حديثة لتصريف مياه
الأمطار ؛ لتمنع تجمعها في الشوارع المكتظة بالبسطات . أَهَّ ، كم غنت مقاهيك يا عمان الأغاني التي أحبها
، وكم تغيرت ملامح الجالسين في ساحة المدرج الروماني ولكن هل تغيرت أحلامهم أيضاً ؟
ونعتذر لك مجدداً يا عمان فقد
كبرنا ، ولم تَعد أحلام اليقظة تراودنا ولم نحقق ما همسنا به ليلاً في أزقة طرقاتك
عندما كنا نحمل مع طيش طفولتنا همومنا الثقيلة التي كانت دوماً تهزمها أحلامنا ، ورغم
ذلك كسرتنا التحديات والمسؤوليات وأحياناً الطغمة التي استغلت رحمتنا وعطفنا ؛ فقيدتنا
وضيَّقت مساراتنا وسبلنا ، فلم نحقق ما كنا نصبو اليه معاً ،
ولم أعد أملك إلا الدعاء ، وأن أقتل سكون الزقاق والشوارع صارخاً لا هامساً وأنشد :
عمانُ يا وداً يحفظه الرب الكريم ؛ فيفيض فيها الوفــــــــــــاء
أنتِ المنارةُ في ظلمةِ بحرِ
الجنون ، والمشعلُ والضيـــــــــاء
أصالةٌ فيك للسائلين ورفعةٌ وعزٌ
، وجودٌ يُحاربه الريــــــــــــاءُ
عشقناك عمان مهما عزّ الرزق فيك ، ونال منا العنـــــــــــاءُ
تبكين عمانُ ! لن يُضيّع الله أرضاً ؛ اصطفاها الأنبيـــــــاءُ
وأصحاب محمد ، اختاروها مرقدَ
طُهرٍ يذود عنه الأبنـــاءُ
يا عيناً لا تنامُ داعية خالقها عفة ؛ فيُستجاب لها الدعـــــاءُ
تسكنين كالنجوم قمماً ، وجبالاً
؛ لتحم قاطنيها السمـــــــــــــــاءُ
حواضرك تنبع فخراً وعلماً ، والشفاء
من أرواحنا والـــدواءُ
ستصدح المآذن والأجراس لن يهزم الغدرُ
الطُهرَ والـــــــــداءُ
وسينبلج فجر تزهين به ، ويُضيء جمالَك النورُ والســــنـــاء
أتخافين
يا عمان من الغادرين ! سيمحق كيدهم الشرفـــــــاء
فالبغي والظلم والرداءة ؛ كاليدِ إن
فسدت يبترها الحكمــــــاء
لن يضيع صالح ؛ فالشر مآله النبذ والخزي
والإقصـــــــــــــــاء
لا تسأليني يا عمان ، عن العرب لم يزل القهرُ والإعيـــــاءُ
والقدس يا عمان ، لن تهون وأنت لها الرباط والشهــــــــــــــداءُ
كم شَجّت جراحك وتراً ؛ لما تألمت بغداد وغزة
والفيحـــــــــاءُ
ستبقين يا عمان ، أماً وأمةً في مملكة يهيم فيها النجبـــــــاء

تعليقات
إرسال تعليق