التخطي إلى المحتوى الرئيسي

عَمّان

 

عَمّان 
مقالي في موقعي اخبار الاردن واحداث اليوم - الصورة منقولة 





كانت عَمّان رفيقة طفولتنا وكبرنا ، وكثيراً كبرت هي ، وأضحت أقدامنا تعجز عن تحدي إتساع أسواقها وأحيائها الوليدة ، وربما تقدم بنا العمر هذا العدو الذي ينخر بخبث أجسادنا ، ويُضعف قدرتنا على السير .

كم تغيرت عمان وكم تبدلت معالمها القديمة ، وربما صنعنا في مخيلتنا مقياساً وقارناها ظلماً بمدن الغربة التي أكلت أعمارنا كما تأكل النار الهشيم ، ويتألم المرء كثيراً حين يغدو شاهداً على تغير المكان الذي ينتمي اليه ، ويحمل له في مخيلته جميل الذكريات وأطهرها حتى لو كان هذا التبدل للأفضل والأجمل .    

كم يظلم الإنسان أخاه الإنسان ويتجبر ، وتضيع حقوق الكثيرين منّا وتُؤكل بالباطل ، ولكن عمان ظُلمت دوماً ، وباتت حزينة ، حالها كحال بقية مدن العالم ، وبقيت أنانيتنا ترفض إلا أن تراها الأم التي نَعقّها ونعود لحضنها دائماً ؛ فتستقبلنا ضاحكةً مبتسمةً وغافرةً ، وقلوبنا الآن تنفطر وعيوننا تبكي حين نرى شوارعها خاوية وأسواقها مغلقة عطفاً وخوفاً علينا .

 

لم تعد مخيلتنا تتسع لأحلام اليقظة التي رافقت طفولتنا ونحن نجول شوارعها ونخطط لمستقبلنا ؛ فنختار فيها مكاناً للأوبرا تارة ، ومكتبة تُوزع فيها الكتب والصحف بالمجان تارة أخرى ، ونقرر أجمل الألوان لمبانيها ولون بلاط أرصفتها ، ومع تساقط المطر كنا نقترب من الواقع ؛ فنفكر في تصميم شبكة حديثة لتصريف مياه الأمطار ؛ لتمنع تجمعها في الشوارع المكتظة بالبسطات .  أَهَّ ، كم غنت مقاهيك يا عمان الأغاني التي أحبها ، وكم تغيرت ملامح الجالسين في ساحة المدرج الروماني ولكن هل تغيرت أحلامهم أيضاً ؟

ونعتذر لك مجدداً يا عمان فقد كبرنا ، ولم تَعد أحلام اليقظة تراودنا ولم نحقق ما همسنا به ليلاً في أزقة طرقاتك عندما كنا نحمل مع طيش طفولتنا همومنا الثقيلة التي كانت دوماً تهزمها أحلامنا ، ورغم ذلك كسرتنا التحديات والمسؤوليات وأحياناً الطغمة التي استغلت رحمتنا وعطفنا ؛ فقيدتنا وضيَّقت مساراتنا وسبلنا ، فلم نحقق ما كنا نصبو اليه معاً ، ولم أعد أملك إلا الدعاء ، وأن أقتل سكون الزقاق والشوارع صارخاً لا هامساً وأنشد :

 

  

 

عمانُ يا وداً يحفظه الرب الكريم ؛ فيفيض فيها الوفــــــــــــاء

أنتِ المنارةُ في ظلمةِ بحرِ الجنون ، والمشعلُ والضيـــــــــاء

أصالةٌ فيك للسائلين ورفعةٌ وعزٌ ، وجودٌ يُحاربه الريــــــــــــاءُ

عشقناك عمان مهما عزّ الرزق فيك ، ونال منا العنـــــــــــاءُ

تبكين عمانُ ! لن يُضيّع الله أرضاً ؛ اصطفاها الأنبيـــــــاءُ

وأصحاب محمد ، اختاروها مرقدَ طُهرٍ يذود عنه الأبنـــاءُ

يا عيناً لا تنامُ داعية خالقها عفة ؛ فيُستجاب لها الدعـــــاءُ

تسكنين كالنجوم قمماً ، وجبالاً ؛ لتحم قاطنيها السمـــــــــــــــاءُ

حواضرك تنبع فخراً  وعلماً ، والشفاء من أرواحنا والـــدواءُ

ستصدح المآذن والأجراس لن يهزم الغدرُ الطُهرَ والـــــــــداءُ

وسينبلج فجر تزهين به ، ويُضيء جمالَك النورُ والســــنـــاء

أتخافين يا عمان من الغادرين ! سيمحق كيدهم الشرفـــــــاء

فالبغي والظلم والرداءة ؛ كاليدِ إن فسدت يبترها الحكمــــــاء

لن يضيع صالح ؛ فالشر مآله النبذ والخزي والإقصـــــــــــــــاء

لا تسأليني يا عمان ، عن العرب لم يزل القهرُ والإعيـــــاءُ

والقدس يا عمان ، لن تهون وأنت لها الرباط والشهــــــــــــــداءُ

كم شَجّت جراحك وتراً ؛ لما تألمت بغداد وغزة والفيحـــــــــاءُ

ستبقين يا عمان ، أماً وأمةً في مملكة يهيم فيها النجبـــــــاء

 


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

إضاءة على نظرية البجعة السوداء

  إضاءة على   نظرية البجعة السوداء مقالي في جريدة رأي اليوم - الصورة منقولة - يقول دونالد رامسفيلد ــ وزير الدفاع الامريكي الأسبق ومهندس احتلال وتدمير العراق - في مذكراته   المعروف واللامعروف : «   ثمة أمور نعرفها ونعرف أننا نعرفها ، وثمة أمور نعرف أننا لا نعرفها ، ولكن ثمة أمور لا نعرفها ولا نعرف أننا لا نعرفها » . هناك العديد من الروايات والأشعار المستوحاة من طائر البجع الجميل الأنيق ذي الريش الأبيض الثلجي ومن أشهرها رائعة المبدع الروسي تشايكوفسكي الموسيقية « بحيرة البجع » ؛ وقد كان الناس واثقين بأن كل طيور البجع لونها أبيض ، ولكن اكتشاف بجعات سوداء في غرب أستراليا في القرن الثامن عشر كان حدثاً غير متوقع ومفاجئ لدرجة نشوء نظرية البجعة السوداء التي وضعها المفكر وعالم الإحصائيات الأميركي من أصول لبنانية نسيم نقولا طالب ، فنَّدت رؤية بجعة سوداء واحدة الإعتقاد السائد   حول هذه الطيور وجعلت معرفتنا الماضية موضع تشكيك وطرحت تساؤلات عديدة حول رؤيتنا الهشة للعالم حولنا وأصبح تعبير البجعة السوداء كناية عن كل حدث يتصف بالأتي   : ·     ...

حدود شرق المتوسط بين التنافس والتحالف

حدود شرق المتوسط بين التنافس والتحالف بدأ الصراع على منابع النفط أ ثناء الحرب العالمية الثانية , فصار يحدد جغرافيا المعارك ومساراتها فلم يعد التنافس  يقتصر على الممرات المائية والموارد الزراعية والحديد  . إ ستمر صراع ال إ ستحواذ على النفط بعد أ فول ال إ ستعمار حيث بنيت تحالفات وخلقت صراعات لضمان تدفق النفط وحماية ممراته , وسعت الدول الكبرى لدعم اقتصاداتها  بعائدات النفط المتدفقة من مناطق  إ متياز شركاتها العابرة للقارات والتي تتعدي ميزانياتها ميزانيات دول كاملة وسيطرت هذه الشركات إ لى حد كبير على سياسات الدول الكبرى والمنظمات الدولية كالبنك الدولي , وحاليا ذهب الكثيرون لربط كل ما تشهده المنطقة من صراعات ب إ كتشافات النفط والغاز في شرق المتوسط  وصراع الشركات الدولية على الحصص . في أ واخر  القرن العشرين تبوأ الغاز مكانه معتبرة وواعدة  في سوق   الطاقة حتى أ ن بعض المتفائلين  مقتنع   أ ن مصير  النفط كمصير  الفحم بوجود الغاز  كون ضرره البيئي يقل عن ضرر مشتقات النفط التقليدية إلا أ نه من المبكر  الحديث...

سي السيد و معركة ميلانو

سي السيد و معركة ميلانو مقالي في موقعي اخبار الاردن واحداث اليوم - الصورة منقولة  عذرا، فقبل البدء وكي لا أُتَّهم بالتحامل ،   أ نا لا أتكلم عن كل الرجال ولكن أقصد شريحة معينة إ سترعت إ هتمامي و إ ستفزت قيم الشرقي   فكان لا بد لي من ال إ شارة إليها من باب الحرص لا النقد. لاشك بأنَّ الثقافة المجتمعية والمعيشية تتغير مع متطلبات العصر، لكن لكل أُمَّة عادات ومبادئ يجب أ ن لا تُهدم بمعول الحداثة ولا تُداس بحذاء من يدًّعي محاربة التخلف.   أ ثناء معركة الفجر بين النور و أ خر بُقع الظلام في شارع (كورسو بينس آ يرس) في مدينة (ميلانو) ، ر أ يت إمرأة إ فرنجية في العقد الرابع من عمرها   تخوض معركة طاحنة غير معركة النور والظلام بل معركة لقمة العيش   كموظفه فها هي بدأت عملها بمعالجة   إ نسداد (منهل) للصرف الصحي ، ولا أ علم لماذا تذكرت وأنا أنظر بدهشة إ ليها   رائعة الكاتب المبدع   نجيب محفوظ   بين القصرين .   و أ عتقد جازما أن أغلب الرجال الذين شاهدوا أ و تصفحوا رواية نجيب محفوظ الشهيرة   ، أُعجبوا بشخصية سي السيد و أ...