مقالي في جريدة ٍرأي اليوم
سبحة أبي
لا أعلم
كيف رُبط التدين بالسبحة وكيف تجسد هذا الربط في وجدان ثقافتنا ، ولكن بعد التحري
تبين أن تاريخ السبحة ممتد الى عصر السومريين ، أما عن انتشارها بين العرب فالبعض
نسبه للصوفيين في حين أن بعض التيارات الإسلامية اعتبرها بدعة . للسبحة قيمة
معنوية تفوق قيمتها المادية ؛ ولكن هذا لم يمنع المبذرين من استخدام نفيس الجواهر
والذهب لصناعتها إلا أن القيمة المعنوية تبقي هي الأثمن في عالم السبح والزهد .
كبار السن هم الأكثر استخداماً للسبح وغالباً ما
يستعملونها وقد تبدو أحياناً من أهم مقتنياتهم ، لكن هذا الأمر ليس قاعدة ؛ فالبعض
يستخدمها ليقود فرقة الدبكة وحين يلوح بها يدرك الحاضرون أنه قائد الدبكة وضابط
ايقاعها.
كان أبي ــــــ رحمه الله ـــــ يواظب على استخدام السبحة ويحرص كل الحرص عليها ؛
فهو لا يسمح لأحد أن يمسك بها ، وكنت أشخص حالته من صوت خرزات سبحته ، فإن كان صوت
ارتطامها ببعضها قوياً ومتتابعاً أدرك أن مزاجه قد تعكر ، أما إن كان صوت ارتطام تلك الخرزات متناسقاً ومنخفضاً
أستنتج أنه مرتاح البال صافي الذهن .
صوت
خرزات سبحة أبي كان الفيصل لفحوى حديثي معه ؛ فلا أُحدثه بما يعكر صفوه او أنقل
اليه خبراً مزعجاً حين أسمع صوت خرزات سبحته مرتفعاً ، ولا أطلب مشورته على مبدأ
لا يقضي القاضي وهو غضبان . السبحة لها طقوسها ؛ فاستخدامها مقرون بوقت الصلاة لكن
أبي كان يستعملها أيضاً عند سماع نشرات الأخبار وحينها قد يترتب عليَّ أن أجمع
خرزات سبحته عن الأرض بعد أن تزعجه الأخبار والأحوال لكن مهمة البحث دائمة الفشل
لذلك كنت أشتري له الكثير من السبح دون تبذير بل بمنتهى الزهد .
المرحلة التي نمر بها الآن تتطلب أن نمتلك سبحة ؛ فقد تغنينا عن تمارين اليوغا وتُفرغ تسنامي الطاقة السلبية الذي يسحق كل ما حلمنا به واعتقدنا جازمين أننا نتملك الأدوات الكفيلة لتحقيقه ، فعلى سبيل المثال :
لا
الحصر يجبر بعض الإعلاميين الناس على اصدار الاحكام وهم في أشد حالات الغضب وحينها
لا يشترك أولئك الاعلاميون في مهمة جمع الخرزات عن الأرض ومن تحت الخزائن والمقاعد
بل يتهمون الباحثين بالفشل في مهام البحث عن الخرزات .
كان
أبي ــ رحمه الله ــ يستعمل سبحته قبيل وبعيد الصلاة ولكن عند
اقامة الصلاة يلقيها جانباً احتراماً للفريضة فلا يترك الفريضة
احتراماً للسبحة ، ومع ذلك هناك من يعتقد أن السبحة تمنحه صفة الإيمان وترفع من
شأنه في الدارين ؛ فيستخدمها ولا يتركها احتراماً للصلاة ولا حتى للفريضة بل يختصر
عمله وعبادته بالسبحة والتسبيح والشكر ليتحقق جواب الشرط لأزيدنكم .
السفن العملاقة تصمد وتحافظ
على الركاب والبضائع وسط عُبَاب البحار ، فتُساعدها بنيتها ووزنها ومهارة طاقمها على
تجاوز أعتى العواصف بأقل الخسائر أما قوارب المغامرين فتنجرف مع أصغر العواصف وكذلك بناء الحضارة والمدنية لم يتحقق بسهولة أو
تلقائية بل بالإعداد والتخطيط وامتلاك الأهداف والأدوات وفوق كل ذلك ثقافة الفرد وإيمانه
بهوية أمته واحترامه لها ، صناعة الحضارة هي صناعة أجيال تقدس العمل والانتماء وتحتاج
من يترك السبح احتراماً للفرائض ويبنى المؤسسات ويزرع ويصنع ويعلم ويدرب .
ليت
السبح بقيت تستعمل بعيد وقبيل الصلاة وبقيت تصنع من خرزات وخيوط الزاهدين ولم تفسد
صوفيتها الجواهر والذهب ولم تدخل الينا مع مداد الأقلام وأبيات الأشعار وحتى مع
نشرات الأخبار وكتب التاريخ وليت المسبحون يؤمنون أن العمل أيضاً عبادة وأن الدول تحتاج مع السبح سفناً عملاقة ؛ فبحارنا
اجتاحتها العواصف من كل حدب وصوب .
تعليقات
إرسال تعليق