الخطاب الشعبوي في الميزان
مقالي في جريدة رأي اليوم الصورة منقولة
يُعَرف الخبراء الشعبوية بأنها موقف
سياسي يدافع عن فكرة الشعب وحقوقه في مواجهة النخب من ممثلي النظام الحاكم ، وتدَّعي الشعبوية الدفاع عن القيم الوطنية
ومصالح الناس ، ولكنها تجمع أشخاصاً من اتجاهات متباينة يحملون أفكاراً ومصالح
مختلفة ويكون جلّ جمهورها من
الطبقة الفقيرة والجاهلة ؛ فتشكل نموذجاً فكرياً غير متجانس وبسلوك فوضوي وبنهج إِقْصَائِي
، وهي تمثل تَحَدِّياً للنظام الديمقراطي كونها جزء منه ، ولكنها تنكر عليه في
الوقت عينه تبني المساواة بين كل أبناء الوطن كأساس للديمقراطية وتولي المناصب .
تاريخياً ، كان هناك أمثلة عديدة على وصول تيارات شعبوية إلى هرم السلطة بعد أن تمكنت رموزها من استغلال المشاكل الإقتصادية والإجتماعية والسياسية التي تعاني منها بلدانهم وإلصاقها ببعض الإثنيات أو الديانات دون غيرها مستغلين الفوضى وانعدام الخطط الإصلاحية لدى الأحزاب التقليدية التي تداولت الحكم ؛ ويعتبر موسوليني في إيطاليا وهتلر في ألمانيا من الأمثلة التي مارست هذا السلوك بأقبح أشكاله فكان خطابهم الشعبوي رصيدهم الوحيد لوصولهم للحكم ، وطبقوا ما حشدوا جماهيرهم لأجله من قمع وإجرام بحق الأقليات الدينية والعرقية .
وبعد ما عاناه العالم من هذا الخطاب الإقصائي ، اعتمد المشرعون القوانين والتشريعات التي تساوي بين البشر بعمومهم وكذلك بين مكونات المجتمع في جغرافيا البلد الواحد ، وكانت تلك الحقبة مقدمة للمساواة بين البيض والسود في الولايات المتحدة والمساواة بين الرجل والمرأة في العالم ، وتجريم الإساءة لبعض الأديان التي عانت من الشعبوية واضطهاد معتنقيها .
بطبيعة الحال تعتبر أوروبا الأكثر حساسية لقضية الشعبوية ؛ فهي الجغرافيا التي شهدت تَشكّلٌ الأنظمة الديمقراطية بعد الثورة الفرنسية ، وهي مهد أفكار الثورة البلشفية بالإضافة إلى مساهمتها في ثقافة المستعمرات التي كانت تحتلها ؛ وكانت وجهة عدد كبير من أبناء هذه المستعمرات للتعلم وأحياناً منحتهم ملاذاً أمناً يمنع عنهم بطش أنظمتهم المحلية إلى جانب توفر فرص العمل لشباب العالم الثالث فيها وتعذر توفرها في بلدانهم ، ولقيت هذه الهجرة معارضة قوية من عدد من التيارات القومية في تلك البلدان بالرغم من مساهمة المهاجرين في إعادة إعمار أوروبا المدمرة بعد الحروب العالمية .
إلا أن الشعبوية عادت لتستقطب الجماهير في أوروبا ؛ نتيجة تفاقم المشاكل الإقتصادية وازدياد عدد المهاجرين وخصوصاً من العالم الإسلامي إضافة إلى ظهور مشكلة اندماج الجيل الثاني والثالث من المهاجرين المسلمين في المجتمعات الأوروبية كفرنسا والمناطق التي يزداد فيها أعداد المهاجرين ويتناقص عدد السكان الأصليين في بعض البلدان كهولندا وبلجيكا .
في الحقيقة ، الشعبوية ليست نظاماً سياسياً بل هي استراتيجية لحصد
أصوات الناخبين أو خلق بيئة حاضنة وضامنة لنظام ما من خلال الخطاب الذي يعتمد على
تخيلات وتوهمات التطرف والإيذاء وخلق سيكولوجية جماهيرية فوضوية تُغَيَّب التفكير
الفردي المنضبط والعقلاني لصالح الفكر الديماغوجي والفعل الموجه ؛ ويعتمد الخطاب
الشعبوي على التنديد بالإضطراب الإجتماعي مستغلاً الأزمات التي
يعاني منها الشعب وخاصة المشاكل الاقتصادية والبطالة ، ويسعى لإنتقاد المخالفين
والمختلفين وشيطنة المذنبين ، ويتصدر القائد الشعبوي الدفاع عن القيم الوطنية
ويحاول أن يبني صورة المنقذ المرسل من قبل العناية الإلهية لإنقاذ الشعب ، وفيما
يلي نستعرض التخيلات التي يرسمها هذا النهج من خلال الحالة الفرنسية والحالة
الترامبية التي جسدت مؤخراً هذا النوع من الخطابات :
صورة الضحية :
هي طريقة غير أخلاقية لتوحيد الناس حول مشروع ما عن طريق زرع الشعور
بالخوف والرهبة من عدو ما خارجي أو داخلي وإقناعهم بأنهم ضحية للمؤسسات الحاكمة
التي تتآمر عليهم ، وإذا راقبنا الخطب التي تدور في فلك الجمهور الفرنسي حالياً ،
نرى السياسيين الفرنسيين يعزفون على وتر هواجس الهوية والحرية الشخصية ، لأنها
تثير لدى الجمهور الخوف من الغزو الديموغرافي وتهديد الأمن الإجتماعي وانعدام
الأمان ؛ فأصحاب الخطاب الشعبوي يحاولون إقناع الجمهور بأن عادات وطقوس وعبادات
المهاجرين واستمرار تدفقهم يتسبب بتمييع الهوية الوطنية ، وخسارة الخصائص التي
تميز الأمة الفرنسية نتيجة مزج عشوائي للأعراق والأديان . من الواضح أنَّ هؤلاء
الشعبويون يخترعون كبش فداء لتحميله وزر الأزمات المتتالية التي تعيشها البلاد ؛
فالعدو الخارجي يمكن أن يصبح عدوًا دَاخِلِيًّا كالمهاجرين الذين (سيدمروننا ،
يغزوننا ، وثقافتهم سوف تطغى علينا) كما تقول زعيمة الجبهة الوطنية مارين لوبان
بهدف إثارة المشاعر العنصرية لدى الفرنسيين ، كما يسعى الشعبوي الفرنسي لتخويف
الناس من الإتحاد الأوروبي ومن الخضوع لإملاءات أوروبا كقوة سيادية مجردة ،
فأوروبا تتخذ شخصية الوحش المتلاعب ، والتي لن تتوافق مع الخصائص المميزة للأمة
الفرنسية ، و تصف أيضاً مارين لوبان زعيمة اليمين الفرنسي أوروبا بأنها صنم قاس لا يشبع ، وفي
أقصى اليسار يعتبر جان لوك ميلينشون بأنَّ : «الإتحاد الأوروبي يلغي تاريخنا
الجمهوري وهو يجعلنا ندفع ثمن التعثر! » . هذا الخطاب يشجع الفرنسيين على الإنسحاب إلى
أفق القومية الضيق ؛ فالفرنسيون يخافون من التدهور الإجتماعي بسبب العولمة الإقتصادية
كونها حسب رأيهم تطمس الفروقات بين الفئات الإجتماعية ، بالإضافة لخسارة الطبقات
الوسطى القوة الشرائية ممّا يجبرهم على العيش في الضواحي ، والإختلاط مع المزيد من الطبقات الدنيا ، ويحرمهم من أي أمل في التقدم
الاجتماعي ؛ فيتولد لديهم الشعور بالعجز تجاه عالم المال ، والاستياء ممن يمتلكونه
، والسخط على الدولة التي اقتطعت ضرائبهم ومنحتها للمهاجرين أو كمعونات للعالم
الثالث ، أضف إلى ذلك الخوف من فقدان الأمن بسبب الأعمال الإجرامية كحرق الضواحي
والسرقة ؛ كل هذه المخاوف تنتج تأثيرًا مزدوجًا للخيال التآمري والرغبة في إقصاء الآخرين من خلال إلقاء اللوم على المهاجرين من مسلمين و سود
وهذا ما فعله ماكرون في خطاباته الشعبوية خاصة بعد الحوادث الإرهابية التي كان
سببها تصاعد الخطاب الشعبوي ، متناسياً مساهمة المهاجرين في الإقتصاد ومسؤوليته
الأخلاقية تجاههم كرئيس انتخبوه ، ومتجاهلاً حقيقة أن التأخر في حل مشاكلهم ـ وليكن
أقلها مشكلة الهوية ـ يُفاقم مشاكل فرنسا المستقبلية ككيان حديث ومختلف
عن فرنسا قبل مئة عام صاحبة الفكر العنصري ، والتي سحقت شعوب مستعمراتها
أو على الأقل بالغت في اذلال جارتها المهزومة المانيا .
صورة القائد المخلص الإلهي :
يسعى القائد من خلال اعتماد الخطاب الشعبوي لإعلان نفسه ممثلاً للشعب
الحقيقي ويدعو المواطنين إلى الاندماج في الروح الجماعية للوصول إلى الخلاص ثم يضع
نفسه كمرشد للشعب ، وإذا كان لديه ما يكفي من الكاريزما يتخذ شكل نبي أو رسول يحمل القيم المثالية لخير
الناس ، ويُظهر للعالم أنه قادر على قلب المعادلات وطرد العدو واستئصال الشر الذي
ينهش المجتمع كما يجب على القائد أن يكون ذا مصداقية وممتلكاً لروح الأصالة لكي يكتسب
ثقة الناس العمياء كما حاول ترامب أن يفعل .
إعادة تدوير أفكار اليمين واليسار :
يشترك الخطاب الشعبوي سواء في اليمين أو اليسار الفرنسي في تناول قيم
محددة منها مبدأ السيادة الشعبية ؛ فالشعب الفرنسي هو صاحب السيادة في كل مكان ،
كما يدعو للعودة إلى القومية الفرنسية وإعادة النظر باتفاقية الإنضمام إلى الاتحاد
الأوروبي .
يتفق الخطاب الشعبوي الفرنسي اليميني واليساري على محاربة العولمة الإقتصادية
، فاليسار يطالب ببناء اقتصاد وطني وتشجيع النشاطات المحلية واليمين يطالب باقتصاد
حمائي مع إغلاق للحدود ويتفقان على تخفيض الضرائب لحماية الطبقة الوسطى ، وأما
موضوع الهوية الوطنية ، فيتم تناوله كثيراً
في الخطاب الشعبوي ؛ فالأحزاب اليمينية تطالب بتمجيد حب الوطن الأم والأحزاب
اليسارية تمجد وطنية الأمة المتساوية في الحقوق الإجتماعية.
يشكل موضوع القيم الجمهورية بما في ذلك العلمانية مطلباً للطرفين خاصة حين يتعلق الأمر بمقاومة التعددية الثقافية
، ومطالبة المهاجرين بالإندماج أو الطرد من البلاد وهنا مرة أخرى يحدث تأثير إعادة
تدوير المواقف التي توحد الفكر المعادي للأجانب عبر خلق تعارض بين الفرنسيين
الأصليين الأخيار والفرنسيين الأشرار .
استخدم الرئيس الفرنسي مؤخراً خطاباً شعبوياً بامتياز فاتهم بعض الإسلاميين
بأنهم إرهابيين وبرابرة يعملون على نشر الجهل ومبدأ الطاعة العمياء في المجتمع من
خلال طروحاتهم الفكرية المتطرفة ، ودعا الفرنسيين للوحدة الوطنية لمواجهة هذا الشر ، وحاول إثارة مشاعر
الفرنسيين من خلال التشديد على قيم الجمهورية التي تُنشئ مواطنين جمهوريين يؤمنون
بحرية التعبير ، ولقد تعمد ماكرون تكرار عبارة «صناعة مواطنين جمهوريين» عدة مرات
في خطابه للتأثير على الوعي الفرنسي ، ولتذكير الفرنسيين بتاريخهم المجيد الذي
دفعوا من أجله الدماء لإقامة الجمهورية كما اعتبر أن الإسلاميين يريدون السيطرة
على فرنسا وفرض ثقافتهم التي تميز بين المؤمنين والكافرين في حين أن الدولة تعتبر
الجميع مواطنين وتعاملهم بسواسية وعدل ؛ فالجمهورية تمثل النور بوجه الظلاميين
والحب بمواجهة الكراهية حسب قوله .
شدَّد ماكرون على الدفاع عن العلمانية العزيزة على الفرنسيين وأعلن
تمسكه بالرسومات المسيئة للرسول (ص) كونها محمية بقيم الجمهورية التي تجيز حرية
التعبير ؛ ففرنسا برأيه هي ضحية للقيم العظيمة التي تدافع عنها وكأنها أهم من صورة
فرنسا ، ومن مواطني فرنسا الجدد الذين يجب أن تُحترم مقدساتهم أكثر من احترام
رسومات عبثية لا تثري ثقافتها أو قيمها .
سعى ماكرون من خلال هذا الخطاب الشعبوي لتنصيب نفسه حارساً لقيم
الجمهورية ، ومدافعاً عنها بوجه الإسلام الذي يغزو فرنسا كما أنه حاول شد عصب
الجمهور المُخاطب ، وتوحيده خلفه خاصة مع
اقتراب الإنتخابات الرئاسية ولكن كما يقال تجري الرياح بما لا تشتهي السفن ؛ فخطاب
ماكرون تجاوز هدفه الأصلي وهو حصد أصوات اليمين الفرنسي داخلياً ، فتجاوزت كلماته
الحدود بفضل ثورة الإتصالات ووصلت أصداؤها إلى العالم العربي والإسلامي ، فطالب
الكثيرون بمقاطعة فرنسا وبضائعها ونددوا بكلامه ومفرداته مما اضطره إلى التذرع بالترجمة المغلوطة لمقاصده وكأنه يحاول توجيه
خطابين مختلفين واحد للداخل وأخر للخارج .
ظاهرة ماكرون لا تختلف كثيراً عن ظاهرة ترامب وبعض زعماء اليمين
المتطرف حول العالم من البرازيل إلى الهند وحتى داخل الوطن العربي الذي يشهد توجهاً
محموماً لنقض عرى الرابط الديني أو القومي بين الدول التي تشترك في التاريخ أو
الدين أو حتى بالعرق ، والاستئثار بها لشعب ما ضمن جغرافيا محددة ؛
فمثلاً نشهد تباين في المواقف حول جدوى
القومية العربية أو الإخوة الإسلامية ؛
فبدأت بعض الأبواق الجاهلة أو المأجورة في
هذه الدول الطعن في نسب شعوب دول كاملة ، والادعاء بأنها ليست عربية حتى وصل بها الأمر
إلى طمس تاريخها ؛ كالتشكيك مثلاً بمكان المسجد الأقصى لإزالة القدسية الإسلامية عن
فلسطين ومحيطها ، وكذلك التشكيك بعروبة مصر من بعض الإعلاميين الشعبويين ، أو
إنكار هذا البعض عروبة شعب المغرب العربي والقائمة طويلة ، ولكن الخطير في الأمر
أنها عملية ممنهجة يزداد سقفها مع أي اختلاف سياسي ؛ لوجود من يمولهم ويدعمهم
لترديد الأكاذيب ، فغدت منابرهم مع عارها موضع سخرية وازدراء من محيطها القريب ولم
تعد تستحق الرد أو المناقشة بل تستحق العلاج النفسي من مرض الشعور بالدونية الذي
وصل لمرحلة متقدمة بعد إهمال مصابيه زمن باكورة مرضهم .
لا شك بأنَّ أنجح التجارب الإجتماعية والسياسية والإقتصادية في العصر
الحديث هي المجموعة الأوروبية وكذلك الفيدرالية الأمريكية ، وفي منطقتنا العربية
كانت تجربة مجلس التعاون الخليجي من التجارب التي خدمت شعوبها بل الأمة العربية
والإسلامية والقضايا الإنسانية في المعمورة ، وكل هذه التجارب أضحت مهددة ، أو على
وشك الإندثار بسبب الخطاب الشعبوي التقوقعي الذي يوهم جمهوره وبيئته بأنهم فقط من يستحقون
الحياة الآمنة والرفاهية ، وما تبقى من أمم وشعوب خلقت لخدمتهم ، ولتوفير
مستلزماتهم ؛ فيبرر هذا الخطاب مصادرة ثروات وأحلام ومستقبل تلك الأمم لدرجة الإستعباد
، إلا أن هذا السلوك هو مفتاح الشرور وسوف يولد لدى الجمهور الآخر نزعة الانتقام
والإقصاء ذاتها ؛ فكل طرف يعيد تعريف قوم فرعون وقوم موسى حسب مصالحه ، وبذلك يغيب
الخطاب الإنساني العقلاني الموحد لكل البشر أو على الأقل الذي يلبي مطالب كل أطياف
المجتمع في الدولة الواحدة دون شيطنة وحرمان الآخرين من حقوقهم واحترام معتقداتهم
وقيمهم التي تثري المجتمع وتساهم في تميزه وترابط فسيفسائه .

تعليقات
إرسال تعليق