التخطي إلى المحتوى الرئيسي

هندسة اللوجستيات





هندسة اللوجستيات
مقالي في موقعي اخبار الاردن واحداث اليوم - الصورة منقولة 



بدأ الإنسان حياته على الأرض باحثاً عن ما يضمن إستمرار حياته وتأمين متطلباتها ومكنته الخبرات المتراكمة من البقاء والتأقلم مع قوى الطبيعة حتى إنه إمتلك من الأدوات والموارد ما يكفل حماية حياته وموارده  و نجح تدريجياً في  تنميتها .
 تطور الإقتصاد البشري معتمداً في البداية على جني المحاصيل الزراعية وتربية الحيوانات  وصولاً الى صناعة الطائرات ومكوك الفضاء , هذا التطور ما كان ليتم لولا وجود سلسلة لوجستية تطورت وتشعبت تزامناً مع تعدد متطلبات البشر وتضخم أعدادهم , ورغم معرفة علماء الإقتصاد أهمية    السلسلة اللوجستية لضبط إيقاع التفاعل بين الانسان وبيئته إلا أنهم إعتبروها ثانوية وغالباً ما تصدمهم النتائج الكارثية المترتبة على فشل المنظومة اللوجستية .
 نمو الإقتصاد هو البوصلة التي توجه أي منظومة مهما كان حجمها  وحتى يحقق النمو معدلات إيجابية لابد من وجود سلسلة لوجستية متكاملة تخدم مختلف النشاطات الإقتصادية وتُسهل دمجها  مع مكملاتها فتنصهر  وحدات الإنتاج والخدمات في بوتقة واحدة لتحقيق  التناغم  والترابط  بينهما .
 ولبناء إقتصاد مستقل ومتين يجب مراجعة المنظومة اللوجستية ورسم خارطة ترابطها ومدى جهوزيتها  وتعديل نظم الإدارة الكلاسيكية التي إعتبرت الإستثمار في مخازن المواد الخام أو المنتج النهائي عيباً وتبذيراً وجعلت من سرعة الشحن وتنافس الموردون دليلاً على صحة نظريتهم .
الدول التي تمتلك الأيدي العاملة المدربة من الممكن أن تبني منظومات إنتاجية مترابطة ولكن عليها التضحية بالعولمة والسوق الحر وبعض الضرائب حتى تصل للأمن الغذائي والدفاعي والدوائي .
عند إستيراد منتج من منشئه يتضمن سعره  النقل والتخزين والتغليف سواء لمدخلات الإنتاج أو المنتج النهائي والذي يعني دعم المستورد للسلسلة اللوجستية للبلد المنتج التي تنمو وتتشعب على حساب المستوردين والأهم من ذلك  أنهم يدفعون تكلفة العقول والتعليم و البحث  للدول المنتجة .
  فلو تمت دراسة مساهمة بعض الصناعات في بناء السلسلة اللوجستية لتكونت صورة واضحة تُمّكن صاحب القرار من مراجعة الضرائب المفروضة عليها والسعي لحمايتها كي ينتعش قطاع الخدمات ويتشعب ويقلل من البطالة التي تجبر الحكومات على توسيع مظلة المساعدات الإجتماعية .
يشهد العالم صراعاً مع جائحة لا سابق لها في التاريخ الحديث والتي سببت  كسر السلسلة اللوجستية للعديد من النشاطات الدولية وعلى رأسها تجارة  النفط الذي شكل وجه الحضارة  وغيّر مفاهيمها  
الإقتصادية ؛ فصراع الدول المنتجة على سوق النفط ترافق مع إنخفاض الطلب فإمتلأت المخازن التقليدية وهامت ناقلات النفط  بحثاً عن المشترين.
 حين تُحيد  تكلفة الطاقة لبعض المنتجات  سيبقى  تأثير العمالة المدربة وتوفر المواد الأولية , فيصبح  التنافس بين المنتجين على الأسواق الإستهلاكية التي لا تمتلك  منظومة خدماتية جاهزة لملأ الفراغ الذي سيتركه المنتجون الذين إعتمدوا على أسعار طاقة وخدمات رخيصة , قد لا يكون هذا التغير طويل الأمد لكنه كفيلاً لإظهار الفرق بين الإستراتجيات التقليدية والإستراتجيات المرنة التي ستتحول  لحماية بعض المنظومات الإنتاجية لديها وإلغاء المدارس التقليدية التي جعلت من الصناعة المحلية قرباناً للعولمة والسوق الحر مسببة نزفاً للعملة الصعبة وتضخم المعونات الحكومية لفئات مجتمعية  قادرة على تدوير عجلة الإنتاج ورفد الإقتصاد .
إنسان ما قبل التاريخ بدأ بمحاصيل الحقول وحيوانات المزرعة ولم يصنع مكوك الفضاء ويسكن ناطحات السحاب أولاً , وما كان ليفعل لو حصل على لحوم مستوردة  وخضروات معلبة من ما وراء البحار .   

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

إضاءة على نظرية البجعة السوداء

  إضاءة على   نظرية البجعة السوداء مقالي في جريدة رأي اليوم - الصورة منقولة - يقول دونالد رامسفيلد ــ وزير الدفاع الامريكي الأسبق ومهندس احتلال وتدمير العراق - في مذكراته   المعروف واللامعروف : «   ثمة أمور نعرفها ونعرف أننا نعرفها ، وثمة أمور نعرف أننا لا نعرفها ، ولكن ثمة أمور لا نعرفها ولا نعرف أننا لا نعرفها » . هناك العديد من الروايات والأشعار المستوحاة من طائر البجع الجميل الأنيق ذي الريش الأبيض الثلجي ومن أشهرها رائعة المبدع الروسي تشايكوفسكي الموسيقية « بحيرة البجع » ؛ وقد كان الناس واثقين بأن كل طيور البجع لونها أبيض ، ولكن اكتشاف بجعات سوداء في غرب أستراليا في القرن الثامن عشر كان حدثاً غير متوقع ومفاجئ لدرجة نشوء نظرية البجعة السوداء التي وضعها المفكر وعالم الإحصائيات الأميركي من أصول لبنانية نسيم نقولا طالب ، فنَّدت رؤية بجعة سوداء واحدة الإعتقاد السائد   حول هذه الطيور وجعلت معرفتنا الماضية موضع تشكيك وطرحت تساؤلات عديدة حول رؤيتنا الهشة للعالم حولنا وأصبح تعبير البجعة السوداء كناية عن كل حدث يتصف بالأتي   : ·     ...

حدود شرق المتوسط بين التنافس والتحالف

حدود شرق المتوسط بين التنافس والتحالف بدأ الصراع على منابع النفط أ ثناء الحرب العالمية الثانية , فصار يحدد جغرافيا المعارك ومساراتها فلم يعد التنافس  يقتصر على الممرات المائية والموارد الزراعية والحديد  . إ ستمر صراع ال إ ستحواذ على النفط بعد أ فول ال إ ستعمار حيث بنيت تحالفات وخلقت صراعات لضمان تدفق النفط وحماية ممراته , وسعت الدول الكبرى لدعم اقتصاداتها  بعائدات النفط المتدفقة من مناطق  إ متياز شركاتها العابرة للقارات والتي تتعدي ميزانياتها ميزانيات دول كاملة وسيطرت هذه الشركات إ لى حد كبير على سياسات الدول الكبرى والمنظمات الدولية كالبنك الدولي , وحاليا ذهب الكثيرون لربط كل ما تشهده المنطقة من صراعات ب إ كتشافات النفط والغاز في شرق المتوسط  وصراع الشركات الدولية على الحصص . في أ واخر  القرن العشرين تبوأ الغاز مكانه معتبرة وواعدة  في سوق   الطاقة حتى أ ن بعض المتفائلين  مقتنع   أ ن مصير  النفط كمصير  الفحم بوجود الغاز  كون ضرره البيئي يقل عن ضرر مشتقات النفط التقليدية إلا أ نه من المبكر  الحديث...

سي السيد و معركة ميلانو

سي السيد و معركة ميلانو مقالي في موقعي اخبار الاردن واحداث اليوم - الصورة منقولة  عذرا، فقبل البدء وكي لا أُتَّهم بالتحامل ،   أ نا لا أتكلم عن كل الرجال ولكن أقصد شريحة معينة إ سترعت إ هتمامي و إ ستفزت قيم الشرقي   فكان لا بد لي من ال إ شارة إليها من باب الحرص لا النقد. لاشك بأنَّ الثقافة المجتمعية والمعيشية تتغير مع متطلبات العصر، لكن لكل أُمَّة عادات ومبادئ يجب أ ن لا تُهدم بمعول الحداثة ولا تُداس بحذاء من يدًّعي محاربة التخلف.   أ ثناء معركة الفجر بين النور و أ خر بُقع الظلام في شارع (كورسو بينس آ يرس) في مدينة (ميلانو) ، ر أ يت إمرأة إ فرنجية في العقد الرابع من عمرها   تخوض معركة طاحنة غير معركة النور والظلام بل معركة لقمة العيش   كموظفه فها هي بدأت عملها بمعالجة   إ نسداد (منهل) للصرف الصحي ، ولا أ علم لماذا تذكرت وأنا أنظر بدهشة إ ليها   رائعة الكاتب المبدع   نجيب محفوظ   بين القصرين .   و أ عتقد جازما أن أغلب الرجال الذين شاهدوا أ و تصفحوا رواية نجيب محفوظ الشهيرة   ، أُعجبوا بشخصية سي السيد و أ...